"ماما... هل الله أكبر من الجبل ؟!"

يرتبط الفهم الديني عند الطفل بتطور قدراته العقلية فقد يسأل طفل الأربع سنوات: "من هو الله؟".. "كيف شكله؟" "هل له جسم ووجه وعينان ويدان مثلنا؟".. "هل يسمع فعلاً ما نقول"؟
عندما يبدأ الطفل بالسؤال، يجب علينا كأهل ألا نتهرب من الإجابة مهما كانت الأسئلة غريبة أو مضحكة، لأننا إن لم نجبه أو عاملناه على أنه لا يفهم سيتشتت، ويكوّن مفاهيم خاطئة عن ماهية الله مما يسمع ويرى من حوله. ومع موسم الأعياد الدينية "عيد الأضحى المبارك وعيد الميلاد المجيد" وحلول العام الجديد الهجري والميلادي أعادها الله علينا بالسلام والحب والبركة، نجد فرصة لطرح أهمية إشباع حاجة الطفل لهذا الجانب من شخصيته.. "الجانب الروحي" ، فقد بات الكثير من الأهل يتخبطون بين التحرر والتشدد في تربية المكون الديني عند الطفل، دون فهم صحيح لقدرات الطفل النمائية والإدراكية، والذي أثبتت الدراسات العلاقة بين الوعي الروحاني وبين فهم النفس البشرية ومعالجتها.
يؤكد أول من كتب في علاقة الوعي الديني بعلم النفس وهو عالم النفس والفيلسوف الأميركي "ويليام جيمس 1842 - 1910"، أن المشاعر الدينية هي حقائق نفسية تؤثر على استعادة التوازن النفسي، فهي تهدئ النفس، وتقلل من تأثير الحزن والخوف والغضب، وتعزز الثقة بالنفس، ما يجعل العامل الديني مهماً للمحافظة على الصحة العقلية.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)). عندما يبدأ الطفل بالسؤال عن "الله" وعن العبادات التي يمارسها الأهل كالصلاة والدعاء، فهذا دليل أنه فطر على الإيمان بالله، فسؤاله ينبه إلى يقظة الفطرة وحاجتها للإشباع. ويتطلب ذلك من الأهل الفهم الجيد لقدرات الطفل على الاستيعاب وتزويده بالمعلومة التي تناسب إدراكه، فالطفل يشكل رؤيته للعالم من حوله من خلال إجاباتنا على أسئلته، كما أن الحديث مع الطفل عن الله وعظمته وحبه للبشر يؤثر على مكون شعور الطفل بذاته. من المهم جداً ألا يهمل الأهل إجابة استفسارات الطفل، وألا يخجلوا من الإجابة بـكلمة "لا أعرف" ، فعدم امتلاك الأجوبة الوافية لا يلغي واجب الأبوين بزرع بذرة الإيمان فيه.
كيف نبدأ بتقديم المفاهيم الدينية للطفل؟
كخطوة أولى يجب أن نشرح للطفل بحسب مستوى فهمه 4 أمور أساسية:
o أن الله موجود فعلاً وهو ليس من صنع الخيال. o أن الله هو الذي خلق الإنسان وكل ما في الكون من سماء وأرض وبحر ومخلوقات. o أن الله يحب الخير ويكره الشر. o أن الله هو الأقوى وهو القادر على كل شيء.
لكل أهل طريقتهم في زرع مبادئ الدين في الطفل حسب ديانتهم، وقد يختلفون في المرحلة التي يبدأون بها، أو في كم المعلومات التي يتلقاها الطفل ليتناسب مع إدراكه، كما ويتراوح الأسلوب بين الترغيب أو التخويف، ومن الأهل من يؤخر التعليم الديني ظناً منهم أن الطفل لن يستوعبه، أو لأنهم يميلون لعدم تلقين الطفل التشدد في الدين خصوصاً في البيت الذي يختلف فيه دين الأبوين، ليسمحوا للطفل بالتعرف بشكل مريح إلى الدين.
يحتاج الطفل في مراحل نموه ومنذ الطفولة إلى تربية الجسد والعقل والعواطف والروح "مكونات الإنسان المتكاملة"، فلا يجب الاهتمام بجزء وإهمال الآخر لأنه يؤثر سلباً على نمو الطفل الصحي
يجب أن يوضح الأهل للطفل منذ الصغر بعض القواعد الأساسية التي تعزز النمو الروحي:
1. أن الله يحب كل الأطفال ويكره من يسيء إليهم. يجب تعريف الطفل بخالقه بأسلوب محبب، وعدم اتخاذ الدين وسيلة لتخويف الطفل، إنما دعم الطفل بما يحتاجه من معلومات عن الخالق عز وجل وعن الإيمان بما يساعد في بناء شخصيته وثقته بنفسه، وبقدرته على تعلم الأمور الجيدة.
يقول عالم النفس "سيجموند فرويد": التديّن القائم على السلطة والترهيب لا يؤدي الغرض الإيجابي من تطوير وعي الطفل، لأنه يبعد الإنسان عن فهمه لذاته".
2. أن الإنسان يجب أن يتعلم الفرق بين الخير (الصواب) والشر (الخطأ). إن الأسلوب الذي تُزرع به مفاهيم الصواب والخطأ يؤثر على ممارسة الطفل لهذين المفهومين، والطفل يتأثر بالأسلوب الإيجابي أكثر من السلبي، فالتشجيع والتقبل وربطهما بمحبة الله للخير ولفاعله يعزز ثقة الطفل بقدرته على الاختيار، بينما تعزيز الخوف في نفسه يجعله ضعيفاً أمامها، ويشعره بالرفض من الجميع، ويسهل وقوعه في الخطأ. من الخطير أن يبدأ الطفل بتكوين فهمه عن الله بالتخويف، فالتشديد على أخطاء الطفل والإكثار من التخويف من غضب الله وعقابه، فذلك يخيف الطفل ويشعره بضعفه ويقلل من حساسيته للخير ويسهل انجرافه نحو الخطأ، تماما كما الطفل الذي تعوّد على الضرب، فلا يعود الضرب يؤثر، بل يميت ما هو خير في نفس الطفل.
3. يستطيع الطفل التحدث مع الله متى يريد من المهم إشعار الطفل بقربه من الله، ليشعر بالأمان والحب ويتعلم الثقة بأن الله يسمعه ويساعده. فعندما يخاف الطفل قبل النوم مثلاً، يستطيع الأهل قراءة قصة له من القرآن أو الإنجيل تشرح قدرة الله وحبه. إن تعويد الطفل على مخاطبة الله، يقوي صلته بربه، ويمهد لتعليمه الدعاء والصلاة لاحقا.
4. التعلم بالنموذج مهم لتحفيز النمو الروحي إن الممارسات اليومية كالصلاة والدعاء، وقراءة القرآن والإنجيل والاحتفال بالأعياد تزرع في الطفل بذرة الاهتمام، فينشأ في جو محفز للفهم الديني. ومن أجمل العادات السلوكية المرتبطة بالدين هي التي تعكس الأخلاقيات الجميلة التي تحملها الديانات السماوية، مثل الرفق بالصغار واحترام الكبار، والابتسامة وغيرها من القيم التي تطور الوعي الديني الصحيح ومفهوم الضمير والرقابة الذاتية عند الطفل. فلا يكفي التشديد على تحفيظ الطفل النصوص الدينية، في حين يفتقد نموذج الأخلاقيات الروحية. لذا علينا كأهل أولاً البحث عن الصحوة الدينية الحقيقية، واتخاذ المرحلة العمرية لأطفالنا فرصة لتقوية هذا الجانب في حياتنا.
عن عبدالله بن عامر قال: "دعتني أمي يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد فقالت: تعال أعطك، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم : ماذا أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمراً، فقال لها: أما إنك لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة". كما روى الترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأن يؤدب الرجل ولده، خير من أن يتصدق بصاع"
يؤكد الفيلسوف السويسري (جان بياجيه 1896 1980) والذي أثر كثيرا على الدراسات الحديثة في مجال التعليم، أن مراحل نمو الطفل الإدراكية تتبع خطاً زمنياً يعتمد على تطور قدرات الطفل، وبالتالي فإنه يطور من مفهومه للقيم والخلق الجيد على مراحل، تبعاً لملاحظاته واحتكاكه بمن حوله وخصوصاً الأقران وليس بالضرورة لما يتلقونه من تعليمات وإرشادات من الكبار . ومن هنا تاتي أهمية فهمنا كأهل لتطور المراحل النمائية عن الطفل، حتى ننجح في زرع بذرة الإيمان الصحيحة، فلا نترك للصدفة أو للخوف بتشكيل مفهومه عن الدين. فيما يلي تلخيص للمراحل النمائية العمرية وتطور وعي الطفل الديني:

o من الولادة وحتى ثلاثة أعوام: 1- في هذه المرحلة يستمع الطفل ويتعلم كل لحظة، وهو اتكالي بالدرجة الأولى على أبويه ولكنه يحب الاستكشاف. من المهم التجاوب مع الطفل واستفساراته دون تعقيد لغوي وبأسلوب محبب، كقولك له عندما ينصت لسماع الأذان "الله أكبر" .. وعندما يسمع أجراس الكنيسة ، تؤشر عليها وتقول: هذا بيت الله.
2- القصص من أجمل الطرق لزرع المفاهيم البسيطة، فالطفل يحب القصص البسيطة التي تحكي عن عالمه، ويحب قصص الحيوانات، ويمكننا أن نحكي القصص التي تعلم المشاركة وحب الناس.
3- الطفل يقلد من حوله في هذه السن، وقد يثير فضوله دعاء تقوله "تيتا أو جدو" فيكرره، أو يلبس غطاء الرأس كأمه ويقلدها في صلاتها. إن تشجيع الطفل يحبب إليه تعلم الأمور الدينية، ويمكن في مراحل متقدمة الإجابة على أسئلته بأن الماما تصلي لله حتى يعطيك القوة لتصبح رجلاً قوياً مثل "بابا"!!
4- يعتمد الطفل على المشاعر أكثر من الحقائق، ويحب الأشياء الملموسة، لذلك تجد اللغة المحببة أكثر تأثيراً في نفس الطفل، وهنا يحبذ ألا يستخدم الأهل لغة التخويف لأن خيال الطفل بسيط وقد يسبب له الكوابيس، ويزرع الضعف في نفسه.

يجب الابتعاد عن زرع الشعور بالذنب في نفس الطفل، فهو يتوق للحب والتقبل، فلا يجب أن نكلمه عن الغفران والعقاب في مراحل مبكرة، لأن ذلك يخيفه وينفره، فتبقى الفطرة الدينية بحاجة لإشباع فيسهل تلاعب الآخرين بمعتقداته فيما بعد.
o من الثلاثة إلى ستة أعوام: 1. خيال الطفل الإيجابي هو ما يميز تفكيره، يصبح الطفل أقدر على تخيل المفاهيم غير الملموسة مثل الحديث عن الله أو الملائكة، والتفريق بين الخيال والواقع ويمكنه حفظ النصوص الدينية البسيطة، وإن لم يعٍِ معناها بالكامل‏.‏ وهنا يجب تعليم الطفل أن الله ليس شخصية خيالية مثل "سانتا كلوز" مثلاً، وإنما هو ربنا الذي خلقنا، وهو معنا دائما.
2. يستمتع الطفل بالعادات والعبادات، وهو أجرأ في التفاعل والتعبير عن نفسه، فهو يحب الذهاب إلى المسجد مع أبيه، أو تعليق زينة شجرة عيد الميلاد أو تحضير بعضها بيديه، ويجب تعويد الطفل على الدعاء لله وشكره على النعم.
3. يعتمد الطفل في فهمه للأمور الدينية على أبويه، وهنا تظهر أهمية دور الأبوين وعدم إهمال هذا الجانب أو التطرف فيه، فهو يبدأ التمييز بين الصواب والخطأ، ولكنه يحتاج إلى متابعتهم وإجاباتهم. كما أن انتماءه لمحيط آمن ومشجع يحفز الطفل للتخلي عن النظرة الفردية الأنانية، وفهم حقوق الآخرين، ويصبح أقدر على التعاون والمساعدة لنيل إعجاب الآخرين.
4. احتكاك الطفل بأصحابه في المدرسة يكون لديه بعض الأفكار المغلوطة عن الدين، فخيال الأطفال المتبادل يشوشهم، وهنا تأتي أهمية فتح النقاش مع الطفل والإجابة عن استفساراته، وتعليمه احترام الأديان الأخرى.
5. يمكن أن ينضم الأهل إلى مجموعات دينية تابعة لمسجد أو كنيسة عندما يقترب أطفالهم من السادسة أو السابعة، بهدف تعزيز صلة الطفل بالخالق عبر مشاركة المجموعة الدينية للنشاطات الاجتماعية وحفظ النصوص المقدسة. ولدور العبادة دور مهم في تعليم الطفل الالتزام فيما بعد، عندما يبدأ الطفل بالتمرد على سلطة البيت كنوع من الاستقلالية، لذا تجدر الإشارة إلى وعي الأهل في اختيار المجموعة التي سيختلط بها الطفل، بحيث تكمل دور البيت فيما بعد.
6. يمكن اتخاذ عادة الصلاة قبل النوم في هذه المرحلة، فهي أفضل وسيلة تربوية تربط الطفل بربه، كما أن العادة تعود الطفل على الالتزام فيما بعد بالصلاة، وتشعره بالأمان والراحة.

o من الستة إلى تسعة أعوام: 1- يعي الطفل معنى العبادات، لأن تصوره للإيمان بالله ووجوده أوضح. هنا يمكن أن يبدأ الأهل بتشجيع الطفل على الصلاة ومحاولة الصيام.
2- الصحبة مهمة جداً في هذه السن، ومن هنا يجب أن ينتبه الأهل للأصحاب وأدبهم وسلوكياتهم لأنها تؤثر على الطفل كثيراً.
3- يحب أن يقتنع الطفل قبل أن يرفض أو يقبل؛ فلا طاعة عمياء بعد اليوم، لأنه يحاول تطوير قدرته على التفريق بين الصواب والخطأ وفهمه للقيم الجميلة.
4- يحب الطفل قراءة قصص الأمم السابقة، فهو يهتم بالحقائق أكثر من الخيال، وإدراكه متسلسل، وهو يربط حياته بأحداث القصص ويتعلم من نتائجها.

o من التسعة إلى اثني عشر عاما:
1- يعتمد الأطفال على حكمهم الشخصي في التفريق بين الصواب والخطأ، ويخف تأثير الأبوين على نظرتهم للأشياء، ويحبون التصريح بقراراتهم الشخصية
2- يستطيعون الالتزام بالواجبات الدينية، ويحتاجون للتشجيع والتحضير المسبق.
3- الحكم المنطقي يعتمد كثيراً على علاقة الطفل بأقرانه ومشاعره الخاصة فيما يتعلق بالظلم والعدل، ما يشعره بالخزي إذا أخطأ، وهنا يجدر الاهتمام بتعزيز ثقة الطفل بنفسه لمقاومة التأثيرات السلبية بين الأصحاب.
4- يحتاجون لتقوية الصلة مع الخالق، لاكتساب القناعة الشخصية والجرأة، ويمكن ربط المفاهيم الدينية بأهداف حياتية يعيشونها.
5- يعون أهمية الروابط العائلية والهوية الدينية، ولكنهم يبدأون بالتمرد والمطالبة بالتحرر من سلطة الأهل.
6- يتأثرون بشخصيات الروايات ويبحثون عن القدوة، لذا يمكن تشجيعهم على قراءة قصص السلف الصالح والصحابة والخلفاء الراشدين والأنبياء والأبطال التاريخيين وحثهم على التعلم من دروسهم الحياتية وإنجازاتهم. يقول الباحث د. خالد أحمد الشنتوت في "تربية الشباب المسلم للآباء والدعاة ": النظم الاجتماعية الحديثة هي المسؤولة عن أزمة المراهقة ، كما تقول عالمة الانثربولوجيا الاجتماعية "مارغريت ميد" - من أن ما يعانيه المراهق من مشكلات في المجتمعات الغربية هو وليد الحضارة الغربية، وبذلك تختفي مرحلة المراهقة من المجتمعات البدائية، لأنها خالية من الصراعات والانحرافات التي يقاسي منها المراهق في المجتمعات المتحضرة.

لذلك يطلب من الأهل زرع مفاهيم الدين والتدرج بها منذ الطفولة، لأن الطفل بعد تخطي مرحلة التأثير الكبير للأبوين على مفاهيمه، يصبح من الصعب التزامه بالعبادات، فالمراهق الذي نال من التحضير قسطاُ مناسباً لوعيه أقدر على الالتزام وتطوير الوعي الروحي من خلال الاحتكاك مع المجتمع بإيجابية وتعلم العطاء والجرأة في رفض الشر وتبني الخير، ما يساعده على الالتزام وممارسة العبادات والتحلي بالأخلاق الحميدة دون الانجراف وراء مشاكل المراهقة الانسحابية أو العدوانية التي يعاني منها الكثير من الأطفال الذين حرموا من التربية الصحية.

 





 





 
 

_______________________________________________________________________________________

الصفحة الرئيسية | من نحن | أرشيف الأعداد | مقالات | نادي الأمهات | منتدى بيتي | اختبر نفسك | لإعلاناتكم في بيتي | الاتصال بنا