الكبت العاطفي

مساهمة د. فلاح التميمي تخصصه (من ميس) العلاقة الزوجية من أسمى العلاقات بين البشر، فعليها يقوم بناء المجتمع، وقد سن الله تعالى ووضع الأسس لهذه العلاقة وقال في كتابه الكريم.. (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة ورحمة) . صدق الله العظيم بداية لنتأمل هذه الآية الكريمة وما تحمله بثناياها من معنى ومنهج للحياة الزوجية، فالمودة بالقاموس اللغوي تعني (المحبة).. أي الحب بكل ما يحمله الحرفان من معان جميلة تترجمها التصرفات والتعاملات الحياتية بين الزوجين على مدار رحلتهما الزوجية من ود وبشاشة وتواضع وصفاء وإحترام متبادل.. والسكن.. معناه هنا هو كل ما سكنت إليه النفس وأستأنست به.. وعندما أشار الله تعالى بالآية بقوله (أنفسكم)؛ أي أن آدم وحواء من كيان واحد.. فمنه خلقت، ولذلك يظل الطرفان فى حالة شوق لبعضهما البعض.. ولكن حينما يتوقف أحد الزوجين عن أداء دوره الإيجابي بهذه العلاقة يقع النشاز باللحن، وتصبح هذه العلاقة معزوفة مملة لكلا الطرفين وتبدأ الأوتار بالتمزق وتضيع أبجديات المعزوفة الزوجية وربما أتت معزوفة أخرى بلحن جديد أكثر طرباً لتحل محل المعزوفة النشاز هذه.. علاقة السكن والتآلف الزوجي تحتاج لشحن متواصل من المشاعر بكل صورها الحسية والمادية.. وإلا إهتزت وانهارت هذه العلاقة.. في بداية الزواج يكون هناك شحنة من العواطف شديدة التوهج.. ورومانسية طاغية.. ولكن بمرور الوقت يفتر الحب وتغادر الرومانسية الديار ربما مستأنسة أو ساكنة ديار غير الديار..ويتسرب أيضاً هذا الفتور والبرود للعلاقة الحميمية الزوجية بين الزوجين، فيصيبها التوتر والجمود وتصبح عملية حيوانية وظيفية روتينية بحتة.. وربما يرجع ذلك لضعف رغبة الزوجين ببعضهما البعض.. فيقع الطرفان فريسة لشرك الإهمال وسلبية التعامل، الذي قد يكون ذلك نابع منذ البداية من أحد الطرفين فقط ولكنه بمرور الوقت يتسرب للطرف الآخر نتيجة برود المشاعر التى يجدها لدى الآخر.. مساوئ الكبت العاطفي بين الأزواج: إن كبت المشاعر العاطفية، سواءً الكلمات أو الأفعال له عميق الأثر على سعادة الحياة الزوجية التشاركية: يعيش الزوجان حياة جافة لا طعم لها. يعيش الطرفان محرومان من أشياء مهمة جداً. يجعل الحياة روتينية، لا نكهة لمواقفها ولحظاتها. يعزز البرود وغياب الدفء الذي يغير لون الحياة العاطفية في حياة كل زوجين..! حذر باحثون مختصون في أحدث الدراسات, من أن الأشخاص المعتادون على كبت مشاعرهم وعدم الإفصاح عنها قد يدفعون ثمنا غاليا من صحتهم وذاكرتهم وقدراتهم الذهنية. وجد فريق البحث في جامعتين أمريكيتين أن إخفاء الأحاسيس وعدم إظهارها بصورة واضحة يضعف قدرة الإنسان على تذكر الأحداث والمواقف المميزة.‏ ولاحظ هؤلاء بعد متابعة أكثر من 200 متطوع، تم عرض فيلم مثير لعملية جراحية على 75 شخصا منهم وتسجيل مشاعرهم وقدرتهم على إخفائها ودرجة تذكرهم للأحداث التي شاهدوها، أن الذين بذلوا جهدا أكبر في كبت استجاباتهم العاطفية لم يستطيعوا تذكر مارأوه بصورة جيدة.‏ وقام الخبراء باختبار باقي المتطوعين، حيث طلب من نصفهم السيطرة على تعبيراتهم الوجهية في محاولة لتثبيت المشاعر التي يحسون بها اثناء مشاهدتهم لأشخاص يتشاجرون، بينما طلب من النصف الثاني إلهاء أنفسهم عن هذه المشاهد بالتفكير في شيء آخر.‏ ولاحظ الباحثون أن افراد هاتين المجموعتين واجهوا نفس الصعوبات في تذكر الأحداث التي رأوها، وهي ظاهرة تعرف بتعدد المهمات. حيث يحاول الإنسان أداء عملين في وقت واحد مما يسبب مشكلة في الذاكرة بدلا من السيطرة على المشاعر.‏ وأوضح الباحثون أن العواطف والمشاعر تؤثر في الذاكرة بطرق مختلفة، فالإنسان يتمتع بقدرة كبيرة على تذكر الأحداث العاطفية أكثر من غيرها، كما تؤثر العواطف في الأشياء التي يمكن تذكرها، فعلى سبيل المثال، المزاج السيئ والكئيب يجعل الإنسان يتذكر أحداث الماضي المحزنة! وذلك يأتي بنا للسؤال..هل يموت الحب؟ بداية الحب..هو مزيج من المشاعر المختلطة من الإنفعال والإعجاب بالآخر بما فيه من صفات مثالية تلقى القبول والإعجاب بها فتنتقل من الشعور بالإعجاب إلى الشعور بالراحة والسكن لهذا الآخر.. والحب بمعناه الطبيعي لا يموت أبداً هذا برأيي المتواضع..الحب موجود بداخلنا ولكن ربما يكسوه بعض الأحيان بعض الصدأ وتغلفه سحابات الصمت ومشاغل الحياة، ومواقف ترسل به للعناية المركزة ويصبح بحالة احتضار.. ولكن من يتأمل ما يحدث بين أي زوجين كان الحب يوماً ساكناً بينهما وبصدق وليس زيف مشاعر؛ نراه أنه مهما كُبت وغلفته الأيام والليالي بسكونها ومتغيراتها، يظهر عند أول كبوة يتعرض لها أحد الزوجين.. فلو مرض الزوج.. ستجد أن أول من ستجري وتحاول الاطمئنان عليه زوجته التى أهملها يوماً.. والعكس صحيح أيضاً..سيظل الزوج بجوار زوجته حتى تمر من أزمتها.. ويذهب أي خلاف للنسيان.. وتنعقد عقدة الألسنة. هنا أستطيع القول بأن ما يحدث بين الزوجين من خرس عاطفي ليس موتاً للحب.. بقدر ما هو شكل من أشكال البرود العاطفي. لماذا هذا البرود؟ يأتي البرود العاطفي بين الزوجين والذي يعد حرمانا لأمر أحله الله نتيجة العديد من المفاهيم الخاطئة، التي ترسبت في أذهان وأفكار بعض الرجال، وللأسف بعض منهم شباب، في ريعان الصبا. ولكن ترسبت هذه الأفكار التي تسيء إلى علاقة الشاب بزوجته، عبر نصائح وأفكار من أشخاص لا يفهمون المعنى الحقيقي للزواج، وصحة العلاقة بين الزوجين..! فيظن الرجل أن إظهار العواطف يقلل من رجولته، ويقوي المرأة في هذه العلاقة، فتراه يبخل عليها بالحنان والتفهم، ليحافظ على الشكل الخشن القوي الذي يضمن انصياعها وسلطته عليها. إن كبت العواطف والمشاعر لا علاقة له بالرجولة فالمرأة تميل إلى الرجل الحنون، الذي تشعر معه بالأمان وإشباع رغباتها العاطفية. إن إطلاق العنان للعواطف، وتركها على سجيتها لا يقلل من رجولة الشخص، بل على العكس، تزيد من رجولته، وتمنحه فرصا لحياة زوجية سعيدة، والأهم من ذلك كله، فإن إبداء المشاعر لا يكلف كثيراً.. فالكلمات لا تحتاج إلى مجهود خارق، كي يقول الرجل لزوجته كم يحبها، وكم يفتقدها عندما لا تكون بجواره، وكم جعلت لحياته طعماً خاصاً، لم يكن يعرفه قبل أن يلتقي بها، ويحمد الله بأن رزقها به.. هذه الكلمات أو ماشابهها لا تكلف شيئاً على الإطلاق. لكن البعض يظن أن إطلاق عنان العواطف للمرأة يجعلها تتمادى، وتتمرد، ولاتقيم له وزناً، وهذه أساطير، أكثر منها حقائق..! فما يشاع بأن المرأة تتعلق بالرجل القاسي، الجاف هذا أمر غير حقيقي، فالمرأة تعجب بالرجل الذي يشبع حاجتها العاطفية، فالرغبات العاطفية عند المرأة في غاية الأهمية، وتشكل جزءا كبيرا من حياتها، فهي تبحث دوماً عن الحب، والعاطفة والحنان والاحتواء من الرجل الذي تحبه.. وحتى لو تزوجت من رجل وكان قاسياً، جافاً، لا يشبعها عاطفياً، فإنها تظل تحلم بأن تعيش قصة حب... وللأسف هناك الكثير من المآسي حدثت لأن المرأة لم تشعر بإشباع رغباتها العاطفية، وقد قرأنا روايات وشاهدنا أفلاما سينمائية حول هذا الموضوع.. فالمرأة بحاجة إلى أن تشعر بالحب والعطف والحنان من الرجل الذي تحبه. المرأة تحتاج من الرجل أن يعبر عن الحب بالمشاعر الفياضة، بالكلمات الرقيقة، التي تمسح عناء وقسوة الحياة وجفافها. وإلا فستصبح هي جافة قاسية غير متفهمة للرجل واحتياجاته. يجب على الرجل ألا يخجل من أن يغمر زوجته شريكة حياته بسلوكه العاطفي، ولمسات حانية تعبر عن الحب والحنان. إن كبت المشاعر ولجمها، واعتبار التعبير عن الحب والحنان بالقول والفعل أمراً ينقص من رجولة الرجل، وأن هذا الأمر قد يجعل المرأة تتمادى، هذه أفكار للأسف خاطئة، رغم أن الكثيرين من الرجال يعتقدون بهذا الأمر، ويشجع - للأسف - الرجال بعضهم البعض بأن يكونوا أكثر تحفظاً في التعبير عن عواطفهم، سواءً في الكلمات أو الأفعال..! إن هذه الأفكار آن الأوان كي تتنحى جانباً، وأن يطلق الرجال المحبون والنساء والمحبات لشركاء حياتهم العنان لعواطفهم كي تتدفق وتغمر الطرف الآخر، حتى تصبح الحياة أكثر جمالاً، وأكثر سعادة.. فالحياة قصيرة، يجب أن نعيشها في عبورنا هذا كما يقول الشاعر الكبير محمود درويش عابرون نقول كلمتنا ونمشي.. لنعبر في هذه الحياة ونقول كلمات تدخل البهجة والفرح على من نحب... لا أن نكبت ونلجم عواطفنا، تحت وطأة أفكار بالية لم يعد لها الآن أي مصداقية.. بل تضر أكثر مما تنفع..! الأسباب المحتملة لسلوك الكبت العاطفي فتور مزمن أو مؤقت للعلاقة بين الزوجين. تباين الاهتمامات بين الزوجين. الفرق الثقافي والاجتماعي والفكري. قولبة الرجل لزوجته فى إطار المتعة الحسية المؤقتة فقط. قد يكون هناك صمت زوجي مرضي.. كأن يكون أحدهما يمر بحالة إكتئاب مؤقتة فعلى الطرف الآخر المحاولة المستمرة لإخراجه من هذا الجو..إلى أن يتم له التوفيق من عند الله.. وهناك الجمود العاطفي والذى يكون من حالة التعود على الآخر واعتياد تواجده، لتصبح التواجد نمطاً روتينياً مقولباً.. فقد حفظ كل منهما الآخر وأصبح الرمز يحل مكان الحرف.. فالعين واليد والبسمة تحل محل الحرف.. وذلك يكون ناتجاً من طول مدة الزواج فعرف كل منهما أبجديات الآخر فيقل الكلام ويستبدل بمعاني ووسائل آخرى.. ولكن لا بد من القول بأنه لا بديل عن الكلمة الحلوة فى أي حال من الأحوال.. الأذن تتوق لسماع الكلمة الطيبة وتؤكدها اللمسة الحانية وتغلفها النظرة الودودة.. فتكتمل الصورة العاطفية ويتم التفاعل الصحيح والصحي بين الزوجين ويجب أن نفرق هنا أيضاً بين الصمت المؤقت والمزمن.. فالصمت المؤقت يكون فى أوقات الخلافات أوالتحديات وهذا شىء حميد.. ويفضل أن لا يطول الصمت.. ولكن يجب المناقشة وتعرية المشكلة تماماً حتى يمكن القضاء على جذورها.. وتستأنف الحياة الزوجية الطبيعية. أما الصمت المستعصي فيكون بمثابة المسمار الأول في نعش الحياة الزوجية..هنا يكون القلب قد فقد البوصلة الخاصة به.. فيحتار ويسير أحياناً بمسارات خاطئة قد تزيد من حالة البرود العاطفي الموجودة لدى الزوج أو الزوجة..فيصنع حائلاً بينهما ويحوّل الحب إلى نفور ويتحول الزواج من سكن ومودة إلى مباراة من مباريات الضربة القاضية..وتكون الصعوبة فى إمكانية عودة الحب من جديد بينهما.. فقد فقدت العلاقة بينهما صفة الامتنان والمودة.. ما هو الحل إذن؟ لا بد من معرفة سبب النفور بين الزوجين، الذى أدى لهذا الصمت الزوجي بينهما.. فلا بد من جلسة ودية صافية بمكان مريح ووقت مناسب.. حتى يتم تذويب وتسييل ما علق بالنفوس من تراكمات.. والتذويب للصمت العاطفي لا يكون بإلقاء التهم على الآخر واللوم وتحميل الخطأ لطرف دون الآخر، ولكن يكون بحسن الاستماع والوصول للبّ المشكلة والغوص بمعاناة الآخر.. فالحل ليس بمحاكمة طرف لطرف آخر بقدر ما هو بحث عن أسلوب يكون قوامه المودة والرحمة ويكون هناك استعداد من كلا الطرفين وعقد لنية تجاوز الخرس العاطفي.. والمصارحة بما تضيق به النفس بشكل دوري يقلل من هذا الصمت المذموم.. فالتوافه بالحياة أحياناً تكون أصل جبال الصمت العاطفي بحياتنا.. وهناك طريقة دعانا الله إليها في كتابه الكريم وذكرت بمحكم آياته، وذكرها لنا رسولنا الكريم، وهي المسامحة والعفو..أن تعفو وتغفر لمن أساء إليك لهو الثواب العظيم عند الله، وعندما نتعامل مع الله الخالق.. فنحن ننحّي المخلوق جانباً..أن تُسامح الآخر من القلب وليس بلسانك فقط لهو الكرم بعينه على تجاوز ما علق بالنفس.. وهو قمة الطهر والإيمان، وكظم الغيظ والعفو من أفضل الخصال الإنسانية.. وقد قال سبحانه وتعالى فى محكم آياته: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون فى السراء والضراء و الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين). صدق الله العظيم وأخيراً.. قد يكون الخرس أو الصمت العاطفي أو الزواجي أحد أهم أسبابه الملل.. فليحاول كل من الطرفين البحث عن أهم أسباب هذا الملل ومحاولة الوصول لطريقة تقضي عليه, وإن لم يستطع فعليه بإستشارة من يثق بهم والأفضل من كل ذلك الذهاب لمختص يزوده بالنصيحة الجادة.. ولكن هنا يجب الانتباه إلى تجنّب الأصدقاء العابرين بحياتك فلا تفضي بمشاكلك إلا لمن تثق به.. وإلا وقعت فيما لا يحمد عقباه.

 





 





 
 

_______________________________________________________________________________________

الصفحة الرئيسية | من نحن | أرشيف الأعداد | مقالات | نادي الأمهات | منتدى بيتي | اختبر نفسك | لإعلاناتكم في بيتي | الاتصال بنا