الرضاعة الطبيعية

الرضاعة الطبيعية الجزء الثاني تناولنا في العدد الماضي أهم أساسيات الرضاعة السليمة. وفي هذا العدد سنكمل وإياكم قراءنا عن الفوائد الجمة للرضاعة الطبيعية، والتي يجب أن تعرفها كل أم وأب، قبل اتخاذ القرار في أسلوب رضاعة الطفل طبيعيا أو باستخدام الحليب الصناعي. قال تعالى: "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين" أكدت الأبحاث العلمية ودراسات الأجنة وصحة المرأة أن لعملية الرضاعة الكثير من الفوائد الفسيولوجية والسيكولوجية والنمائية وكذلك العاطفية، ولأجل ذلك اهتمت حملات التوعية العالمية بدعوة العائلات للعودة إلى الرضاعة الطبيعية لأن حليب الأم خلق لتغذية مولود الإنسان بما يناسب حاجته النمائية، بعكس التركيبات الصناعية التي ركبت من حليب حيواني خلق أصلا لتغذية مواليد الحيوانات أو مركبات نباتية أقرب في مكوناتها للحليب الحيواني. ويعتبر شهر آب من كل عام هو الشهر العالمي للتوعية بأهمية الرضاعة الطبيعية، كما خصصت معظم المستشفيات في الدول الغربية اختصاصية رضاعة Lactation Consultant تصاحب الأم التي وضعت مولودها منذ لحظات الولادة الأولى لتعلمها طريقة الرضاعة الصحيحة وتشجعها توعيها بما في حليب الأم الطبيعي من أهمية. قامت منظمة الصحة العالمية WHO بتحليل عدد كبير من الدراسات حول موضوع الرضاعة الطبيعية وصحة المرأة في عام 2007 ، وقد أعلنت أن الرضاعة الطبيعية مرتبطة بشكل كبير بتقليل نسبة الإصابة بالسكري، وأمراض الضغط والكوليسترول، وبارتفاع مستويات الذكاء والتعليم المدرسي، وقد بينت أن الإحصائيات العالمية أثبتت هذه النتائج بنسب عالية لا يمكن أن تعزى إلى الصدفة، وبالتالي لا يمكن إهمالها. حقيقة: لا يوجد أي شركة حتى اليوم نجحت في تصنيع تركيبة مشابهة تماما لتركيبة الحليب الطبيعي الذي يتناوله الطفل مباشرة من ثدي أمه، فحليب الأم يحتوي على آلاف المكونات الحيوية التي يصعب تركيبها صناعيا. فوائد الرضاعة الطبيعية للطفل: هناك فوائد كبيرة تعود على الطفل الذي ترضعه أمه طبيعيا، وهنا يتوجب على كل الأمهات أن يعين بها، وعلى الآباء تشجيع زوجاتهن على الرضاعة الطبيعية حتى لا يحرمن أطفالهن من فوائدها، وأهمها: تستخلص مكونات الحليب من جسم الأم، والتي تختلف يوماً بعد يوم وحتى من رضعة لأخرى حسب احتياجات الطفل ومقاومته للفيروسات أو الالتهابات التي قد يتعرض لها!! - حليب الأم هو الحل الأسرع والأفضل تعقيما، فهو يمر مباشرة من ثدي الأم إلى فم الطفل دون التعرض للتلوث، ما يقلل فرص الإصابة بالنزلات المعوية، وبذلك يمكن إنقاذ ملايين الأطفال الذين يقضون سنوياً في سن الرضاعة. - حليب الأم سهل الهضم، ويقلل فرص الإصابة بالإمساك والإسهال. - حليب الأم تختلف نكهته باختلاف الأكل الذي تتناوله الأم في ذلك اليوم، وهذه التغيرات في النكهات تقوي من قدرة الطفل على التذوق وتسهل عليه عملية الاستمتاع بالغذاء الصلب بعد الستة شهور وتقبله في السنة الأولى من عمره. - على عكس الألبان المجففة فإن حليب الأم لا يسبب للطفل الحساسية كما يفعل الحليب المصنع والذي يتسبب بالحساسية لـ 30% من الأطفال الذين يتناولونه!! - تساعد طبيعية من ثدي الأم على نمو الفم والأسنان واللثة وعظام الفك بشكل سليم دون اعوجاج من جراء الجهد الذي يقوم به الطفل أثناء عملية الامتصاص، بينما قد يؤدي الامتصاص من القارورة أحياناً إلى اعوجاج الأسنان. أغمضي عينيك أيتها الأم واستمتعي بكل رضعة يرضعها طفلك منك، فكري بنفسك وراحتك وسعادتك لتضمني له هو أيضاً تلك الراحة والسعادة!! - يحتوي حليب الأم على مضادات الأجسام والبروتينات المناعية، وعلى كثير من الأنزيمات وخلايا الدم البيضاء، ما يساعد على تقوية مناعة الطفل وحمايته من الأمراض. أكدت جمعيات تُعنى بالولادة والتربية أن الطفل يستفيد من حليب الأم حتى لو تناوله لمدة يوم واحد فقط!! - هو غذاء متكامل يوفر للمولود المكونات الغذائية الضرورية لنموه الصحي، ولا يتسبب بزيادة وزنه، فهو غني بـ: o البكتيريا العصوية اللبنية المشقوقة التي تحمي جهاز الطفل الهضمي. o حليب الأم يحتوي على مادة الإنترفيرون المقاومة للفيروسات. o مواد مضادة للسموم وخصوصاً تلك التي تسبب الكوليرا. o يحتوي على كمية كبيرة من الزنك والمعادن المفيدة للطفل وبكميات مناسبة وسهلة الامتصاص، على عكس الحليب الصناعي الذي يحتوي على معادن كثيرة منها ما هو مضر بالطفل ومرهق لكليته عند التخلص منها، ما يعرض هؤلاء الأطفال للإصابة بأمراض الكلى. o يحتوي على أحماض دهنية غير مشبعة، في حين يحتوي الحليب البقري على أحماض مشبعة لها علاقة بتصلب الشرايين والسمنة. o يحتوي على نسبة كبيرة من فيتامين "د"، ما يقلل نسبة الكساح لدى الطفل الذي يتغذى على حليب الأم الطبيعي. o يمتص الطفل الذي يرضع طبيعياً الحديد بشكل أفضل ممن يتغذى على الحليب البقري. o يقلل حليب الأم من نسبة موت المهد SIDS Sudden Infant Death Syndrome. معظم الأمهات اللاتي يتوقفن عن الرضاعة الطبيعية بسرعة يكون ذلك لأنهن لم يتمتعن بدعم كاف وتشجيع ممن حولهن، أو بسبب العودة للعمل مبكراً. - يقوي حليب الأم جهاز الطفل المناعي، ويقلل فرص الإصابة بعدة أمراض منها الإسهال، والتهابات الأذن، وانفلونزا النزلة الصدرية، وتسوس الأسنان، والسكري خصوصاً في مرحلة الطفولة، وأمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، وبعض أنواع السرطانات، وحساسية الجهاز الهضمي، وتصلب الشرايين والسمنة. كما أنه يخفف من وطئة بعض الأمراض الوراثية كالتليف الكيسي، ويعزز استجابة الطفل للقاح. - يرفع من إدراك الطفل كما أثبتت دراسة أجريت على مجموعة من الأطفال تتراوح أعمارهم ما بين 7.5-8 سنوات أن الأطفال الذين رضعوا طبيعيا لمدة 6 شهور على الأقل يتغلبون على أقرانهم ممن رضعوا صناعيا في مستوى إدراكهم واستجابتهم لمحيطهم، الأمر الذي يحفز تطور ذكائهم وسرعة نموهم. - تقلل الرضاعة الطبيعية من السمنة الزائدة للطفل في سنوات الطفولة الأولى، المشكلة التي يعاني منها الكثير من الأطفال حول العالم. في دراسة أجراها معهد التعليم في لندن، لوحظ أن الأمهات اللواتي أرضعن أطفالهن طبيعيا، استطعن أن يجلسن مع أطفالهن لمدة أطول لقراءة قصة معا، بينما الأمهات اللواتي لم يرضعن أطفالهن طبيعيا لوحظ أن الأم والطفل كذلك كانا أقل صبرا في الجلوس وإنهاء قصة معا. - مفيد لنفسية الطفل، حيث يمده بإحساس بالأمان العاطفي ويقوي علاقته بأمه، ويحفز تطور الذكاء العاطفي والاجتماعي مبكرا. وقد أثبتت الدراسات والتجارب بأن عملية الإرضاع بحد ذاتها وما يصاحبها من مداعبة الطفل وضمه لصدر الأم وهزه مهمة جدا، وتأثيرها على سلوك الطفل وتجاوبه وتعلم التواصل الفعال كبير، ما يقلل من عصبيته وعدوانيته ويخفف من المشاكل السوكية مستقبلا. تمنع الأم التي يعاني طفلها من مرض "بيلة فينايل كيتون" من الرضاعة الصناعية التي تحتوي على كمية كبيرة من الحامض الأميني "فينايل الأنين"، ويعتمد هنا فقط على حليب الأم الذي لا يحتوي عليه بكثرة. فوائد الرضاعة الطبيعية للأم وللأم نصيبها أيضاً من الفوائد التي تجنيها من الرضاعة الطبيعية التي أنعم الله عليها بها، نذكر منها: - هو حليب سهل الهضم وكافٍ ومتوفر في كل وقت ولا يحتاج إلى تحضير!! وبذلك تستطيع الأم إرضاع طفلها بسهولة وهي بأي وضعية (مستلقية جالسة على الكرسي...) ما يوفر لها الراحة، ويوفر وقتها ويقلل من جهدها. يمكنك هنا أيتها الأم أن تضمي أطفالك الآخرين من الناحية الأخرى من صدرك حتى لا يشعروا بالغيرة! - تحمي الرضاعة الطبيعية الأم من العديد من الأمراض ومن أنواع مختلفة من السرطانات كسرطان الثدي، والرحم والمبايض، وخصوصاً قبل سن الأياس. وكذلك تقيها من هشاشة العظام والجلطات التي تحدث في فترة النفاس. في دراسة حديثة حول صحة المرأة في مرحلة ما قبل سن الأياس، ثبت أن الأمهات التي سبق لهن إرضاع طفل، يكن أقل عرضة للإصابة بالذبحات الصدرية والنوبات القلبية من مثيلاتهن من السيدات ممن لم يرضعن من قبل. - تقلل من فقدان الدم ووقف النزيف بعد الولادة، ما يساعد الرحم على استعادة حجمه الطبيعي قبل الولادة، لأن امتصاص الثدي يؤدي إلى إفراز هرمون "الأوكسيتوسين"، فينقبض الرحم ويعود لحجمه الطبيعي تدريجيا، ويقلل من فرص الإصابة بحمى النفاس. - تساعد الأم على استرجاع وزنها الطبيعي لأنها تحرق الكثير من السعرات في الرضاعة ما يساعدها على استعادة شكل جسمها قبل الحمل. - تقلل من احتمالية إصابتها باكتئاب ما بعد الولادة. - تؤخر من الحمل فوراً عن طريق قطع الطمث، وهذه وسيلة طبيعية لتنظيم الأسرة مفيدة للكثير من النساء. ويمكن للأم استخدامها لمدة 6 أشهر بعد الولادة، ويكون ذلك بانقطاع الطمث تماماً، وإرضاع الطفل ليلاً ونهاراً، مع مراعاة تقليل الفترة بين الرضعة والأخرى، وعدم تجاوز عمر الطفل 6 شهور. - يزيد من الارتباط النفسي والعاطفي بين الأم وطفلها، ما يساعد على استقرارها النفسي ويشعرها بالرضا عن نفسها، ويعطيها إحساساً بالأمومة والأنوثة. عندما سُئلت مجموعة من الأمهات عن الأمومة وعن أجمل مراحلها قالت معظم الأمهات أن الرضاعة وعملية ضم الطفل للصدر وشده له لأخذ الحليب الذي ينتقل من جسد الأم ويتجه مباشرة إلى جسد الطفل هو من أجمل اللحظات العاطفية التي شعرن بها!! فوائد الرضاعة الطبيعية للأسرة والمجتمع: جميع هذه الفوائد التي ذكرناها آنفاً تعود بالنفع على المجتمع والأسرة بشكل مباشر، وأحياناً أخرى بشكل غير مباشر. فلنلق نظرة على الفوائد العظيمة غير المباشرة للرضاعة: - تقلل معدل وفيات الأطفال والأمهات في المجتمع. - ترفع الرضاعة من قدرة الأم والأب كذلك على الرعاية الوالدية الإيجابية، ما ينعكس على تربية صحية وعاطفية ذكية للأبناء، ما يؤثر على سلوكياتهم وبناء شخصياتهم. - توفر على الدولة المبالغ الكبيرة التي تنفق لمداواة الأمراض الخطيرة الناتجة عن التغذية بالحليب الصناعي. - تخفف من أعراض اكتئاب ما بعد الولادة، وما يكلف ذلك الأسرة ماديا وعاطفيا، وبالتالي ينعكس على تنقية المجتمع العراض النفسية السلبية، وتزيد من الحب في الأسرة ما يؤدي لانتشاره في المجتمع، كما وتخفف من تكاليف معالجة الأمراض النفسية. - تقلل نسب العنف في المجتمع، وخصوصاً بالنسبة للعنف داخل مؤسسة الزواج، حيث يرق قلب الأب عادة عندما يرى طفله الرضيع متعلقاً بأمه. - تخفف من أزمات السير في الشوارع وكذلك في المحال التجارية عندما يخف الطلب على شراء الحليب الصناعي ومستلزمات التعقيم!! - تخفض نسبة استيراد الحليب من الخارج حين يخف الطلب عليه. - تقلل من تلوث البيئة الناجم عن حرق المواد البلاستيكية والمطاطية المستخدمة في "زجاجة الرضاعة" الخاصة بحليب الأطفال. من هنا وبعد تجلي الفوائد العظيمة للرضاعة الطبيعية يصبح التشديد على أهمية ممارستها أمراً منطقياً مهماً. أما إذا كانت الأم مريضة أو ضعيفة ونصحها طبيبها بعدم إرضاع طفلها ما عليها في هذه الحالة إلا أن تستعين بالحليب المصنع كمساعد لها، ولكن عليها أن تضع طفلها في حضنها وتداعبه وتقربه منها كثيراً أثناء تغذيته "بالزجاجة"، حتى لا تفوّت على نفسها وعلى طفلها فرصة اللحظات الحميمية التي لا تنسى!!

 





 





 
 

_______________________________________________________________________________________

الصفحة الرئيسية | من نحن | أرشيف الأعداد | مقالات | نادي الأمهات | منتدى بيتي | اختبر نفسك | لإعلاناتكم في بيتي | الاتصال بنا