|
الأب ينسى!
قال تعالى: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" صدق الله العظيم.
الأطفال هم صرخة ألم الأم المنتظرة بكل شوق.. وهم بسمة الأب بعد نهار مضنٍ في العمل.. هم ضحكات مشاكسة تقتحم سكون الوحدة والأنانية.. أحلام تراود كل فتاة تتمنى أن تصبح أماً.. هم اسم يُنادَى به الرجل قبل أن يحظى به.. هم من يلتصق بنا إن خافوا وإن فرحوا.. حتى لو آذيناهم عن غير قصد.. أو انشغلنا عنهم، حتى لو نسينا أن نقول لهم أننا نحبهم فإننا نجدهم لا يخجلون أو يخافون أن يعبروا لنا عن حبهم بالرغم من كل شيء!
هناك الكثير من المساهمات الأدبية التي قدمها الآباء في حقبات زمنية وثقافية وجغرافية مختلفة، لتثبت مكانة الابن في النفس والدور العالمي للأبوة! فالأبوة والأمومة مشاعر عظيمة لا تعرف لوناً ولا زماناً ولا مكاناً!
اقتدِ أيها الأب بالنموذج الأبوي الرائع المتمثل في الرسول محمد عليه الصلاة والسلام عندما كان يطلع فاطمة على أسراره ويحضنها ويقبلها ويستقبلها بابتسامة عريضة دوماً
هذا العدد، أحببنا أن نستعرض نصا مترجما لرسالة "الأب ينسى - Father Forgets " كتبها "ليفنجستون"
W Livingston Larned لابنه النائم - كما جاءت في كتاب How to Win friends and Influence People - لما لهذه الرسالة من معانٍ شفافة وعاطفة صادقة تعبر عن اللحظات الحقيقية التي يعيشها كل أب وأم. يقول الكاتب:
"اسمع يا بني، أكتب لك هذا وأنت نائم، ويدك مثنية تحت خدك، وخصلة شعرك تتدلى على جبينك الرطب.. قبل دقائق قليلة، اختلست النظر إليك وأنت نائم في غرفتك. قبلها كنت جالسا وحدي أقرأ في كتابي، وقد انتابني فجأة حزن عميق، فاقتربت من سريرك والشعور بالذنب يخنقني.
ابني، إليك ما كنت أفكر به: اليوم كنت عصبيا معك. لقد وبختك وأنت ترتدي ملابس المدرسة في الصباح، لأنك مسحت وجهك سريعاً بالمنشفة. وعاقبتك لأنك لم تنظف حذاءك. وصرخت بك عندما رميت أغراضك على الأرض.
وأثناء الإفطار أمسكت بك مخطئاً أيضاً، وأنت تسقط الطعام، وتبتلع أكلك بطريقة مزعجة، وتضع أكواعك على الطاولة. ولأنك وضعت الكثير من الزبدة على رغيف الخبز وأحدثت بعض الجلبة. وعندما كنت أتجهز للذهاب إلى عملي، وبينما كنت أنت تلعب أدرت وجهك نحوي ولوحت لي قائلاً: "وداعاً يا أبي"، ولكنني عبست وقلت لك: "أبقِ كتفيك مرفوعين".
وعند عودتي في وقت متأخر من بعد الظهر، اختلست النظر إليك وأنت جالس على ركبتيك وتلعب بأحجار "الجلول". كانت هناك ثقوب في جواربك، فأهنتك أمام صديقك وجعلتك تسير أمامي إلى المنزل وأنا أوبخك:"لقد كانت الجوارب غالية الثمن- ولو أنك اضطررت إلى شرائها فإنك ستكون أكثر حذراً!"
هل تذكر بعدها عندما كنت أقرأ في المكتبة وجئت إلي متردداً ونظرة الألم تملأ عينيك؟ عندها نظرت إليك من فوق الكتاب رمقتك بعصبية بسبب المقاطعة. ترددت أنت بالدخول عند الباب، فصرخت: "ما الذي تريده؟"
لم تقل شيئاً، لكنك ركضت باندفاع عاصف، ورميت ذراعيك حول عنقي وقبلتني، وذراعاك الصغيرتان مشدودتان ومشبعتان بعاطفة زرعها الله في قلبك كزهرة لا تذبل أبداً حتى لو هُجرت. وبعدها ركضت مسرعا على الدرج.
بعد ذلك بلحظات يا بني، سقط الكتاب من يدي واجتاحني خوف أرعبني!
ماذا فعلت العادة بي؟ عادة البحث عن الخطأ، والتوبيخ.
هل هذه هي مكافأتي لك لكونك طفلا. تصرفاتي لم تكن قاسية لأنني لم أحبك؛ إنما لأنني توقعت الكثير من طفولتك، وظلمتها لأنني حاكمتها بمعايير سني انا!
هناك أشياء كثيرة جيدة وجميلة وصادقة في شخصيتك. فقلبك الصغير كبير كالفجر الذي يسطع فوق التلال الواسعة. لقد كان ذلك ظاهراً في عفويتك واندفاعك إلى الداخل وتقبيلك لي قبلة ما قبل النوم. لا شيء آخر يهمني هذه الليلة يا بني. لقد أتيت إلى سريرك في الظلام، وجلست قربك.. خجِلاً!
إنها كفارة صغيرة؛ فأنا أعرف بأنك لن تفهم هذه الأشياء لو قلتها لك وأنت مستيقظ. لكنني سأكون أباً حقيقياً غداً! وسأصاحبك، وأشعر معك حين تعاني، وأضحك عندما تضحك. وسأعض لساني إن نطق بكلمات سلبية متسرعاً. وسأبقى أردد هذا: "إنه مجرد طفل، طفل صغير".
أخاف أن أكون قد تصورتك كرجل. ولكنني أراك الآن يا ولدي، منكمشاً ومُرهقاً في سريرك، أرى بأنك لا تزال طفلاً. البارحة.. كنت بين ذراعي أمك، ورأسك على كتفها. لقد طلبت منك الكثير.. الكثير".
تصور لنا هذه الرسالة صحوة الأبوة بكل معانيها العظيمة، وتصور لنا النضج الذي تمنحه الأبوة للرجل! لأن الأب نجح في التخلص من منظاره الرجولي الكبير لينظر إلى ما يفعله طفله من منظار طفله، بعد أن شعر بالندم لعدم محاولته فهم طفله واستيعاب هفواته البريئة. كما تعكس هذه الرسالة فطرة الطفل التي تحتاج إلى الحنان وتطالب به الأب "نموذج الأمان والاحتواء" بالنسبة له. فكان يرد على كل الرفض والصراخ بتعبير جريء وبريء عن حبه وتعلقه بأبيه بقبلة بريئة تطالب بحقه من العطف. لعل لغة الجسد تنقل ما لم تستطع الكلمات نقله، لتوقظ ضمير الأب وتجعله يعترف بذنبه، ويدرك أن عليه أن يكون صديقاً لابنه حتى يعلمه الأصول وآداب المائدة وغيرها من مهارات الحياة، كل ذلك وهما يحتفلان ببراءة الطفولة بدلا من إدانة أخطائها وتحميلها فوق طاقتها، وحرمانها من حقها في العطف والتقبل.
من وصايا لقمان الرائعة لابنه:
يا بني: زاحم العلماء بركبتيك، وانصت لهم بأذنيك، فإن القلب يحيا بنور العلماء.
يا بني: اثنتان لا تذكرهما أبداً، إساءة الناس إليك وإحسانك للناس.
الأبوة كالأمومة، مشاعر إنسانية قوية، لا نستطيع إخفاءها أو إهمالها، ولِمَ نهملها؟ وفيها الكثير مما يشحن الروح والنفس ويغني إنسانيتنا ويحسن علاقاتنا ويطور قدرات أبنائنا العقلية والعاطفية والسلوكية. فيما يلي بعض الأمور التي يجب أن يراعيها كل أب وأم:
� طفلك يحتاج إلى مساعدتك حتى يفهم عالمه أكثر ويتعلم كيف يتعامل مع محيطه.
� القسوة لن تعلم الطفل إلا التخلي عن المبادرة. استوعب طفلك وكن لينا ومتفهما لأخطائه، وعلمه البديل الإيجابي بدلا من الحكم عليه بالخطأ والفشل.
� أكثر من عبارات الثناء والحب والتقدير فهذا يشجع طفلك أن يقدم أحسن ما عنده.
� لا تسمح للتوقعات العالية أن تدمر علاقتكما القائمة على الدعم العاطفي التي يحتاجها طفلك منك في جميع المراحل العمرية.
� ضخم مبادراته الجيدة، وصغّر أخطاءه. ولا تعكس ذلك أبداً.
� طفلك بحاجة إلى حبك وتقبلك له أكثر من حاجته للأكل واللعب.
� انتبه لما يقوله لك طفلك، واستمع جيدا للحاجة العاطفية وراء ما يقول، فقد يكون مشتاقا إليك، أو خائفا يحتاج إلى تشجيعك، أو متوترا لا يعرف كيف يتعامل مع أمر معين. حاول أن ترشده بصبر وحب للتعامل مع ما يشعر به.
|